عبد الملك الجويني

138

نهاية المطلب في دراية المذهب

بالكلية ، حتى لو أراد الولي إسقاط القصاص على مال ، لم يجد إليه سبيلاً ، فهو بالخيار بين أن يقتص وبين أن يُسقط القصاص ولا مال له ، وهذا كما أنه لو عفا أولاً عن القود ، لم يتصور رجوعه إليه ، وتعين حقه في المال . والوجه الثاني - أنه لا معنى للعفو عن المال مع بقاء القود ، فالذي جرى منه لغوٌ ، وهو على خِيَرته ، وكأنه لم يعف ، والسبب فيه أنا وإن كنا نثبت المال أصلاً ، فهو على قضية التبعية للقود ، فيستحيل أن ينبتّ أثر المال مع بقاء القود . والوجه الثالث - وهو اختيار شيخي أن العفو عن المال يُلحق هذا القول بقولنا : موجَب العمد القودُ المحض ، وفائدة هذا أنه يملك [ العفو عن ] ( 1 ) القود إلى المال . فلو رضي الجاني ، واصطلحا عن القصاص على مالٍ ، ففي المسألة وجهان : أحدهما - لا يجوز المصير إلى المال مع التراضي ، كما لا يجوز المصير إلى المال في حد القذف . والثاني - يجوز . وهو موافق لمذهب أبي حنيفة ، ولعله الأصح ، ووجهه أن القصاص في مقابلة [ متقوِّم ] ( 2 ) بالمال على الجملة وهو النفس ، والتلف به يُتقوّم وليس كذلك [ العرض ] ( 3 ) في القذف ، وإذا جاز بذل العوض في بدل الخلع للأجنبي ، فهذا في الدم أجوز ، مع ترغيب الشارع في إسقاطه . ومما نفرعه على هذا القول أنا إذا قلنا : الواجب أحدهما ، فلو قال : عفوت عن الدم والمال ، فقد عفا عن حقه ، ولو قال : عفوت عن الدم على أنْ لا مال لي ، ففي المسألة وجهان : أحدهما - أنه يسقط كما لو عفا عنهما . والثاني - لا يسقط ؛ فإن قوله على أن لا مال شرط انتفاء وليس بنفيٍ على الحقيقة ، وهذا ما إليه ميل كلام الصيدلاني . وقال العراقيون في التفريع على هذا القول : لو قال : اخترت الدية ، فقد تعينت الدية ، فلا رجوع إلى القصاص ، وهذا [ قالوه ] ( 4 ) قياساً ، ثم قالوا : لو [ قال ] ( 5 ) :

--> ( 1 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 2 ) في الأصل : " فنقدم " . ( 3 ) في الأصل : " الفرض " . ( 4 ) زيادة من المحقق . ( 5 ) زيادة اقتضاها السياق .